0

تطوير المحتوى العربي.. أمانة أم تجارة؟



تطوير المحتوى العربي.. أمانة أم تجارة؟

كان لانتشار الإنترنت في المنطقة العربية مؤخراً الأثر الأكبر في نمو عدد المستخدمين طردياً في معظم الدول العربية، خصوصاً من قبل الشباب الباحثين عن المعلومات بشتى أنواعها، مما أسهم في زيادة الإقبال على تصفح
المواقع العربية على اختلاف تصانيفها، ونتج عن هذا تزايد عدد زوار المواقع إلى متوسط؛ قد يصل إلى 3 ملايين زائر شهريا بالنسبة للمواقع الحيوية الناشئة حديثاً، مما أدى بدورهِ إلى تهافت الشباب من رواد الأعمال والشركات على الاستثمار في هذا القطاع؛ بإنشاء مواقع تقوم على تطوير ونشر المحتوى العربي المتنوع على شبكة الإنترنت، سواء كان المحتوى ترفيهيا أو صحيا أو اجتماعيا أو رياضيا أو غيرها من عشرات التصانيف التي يبحث عنها المستخدم العربي.
إلا أن التسابق ما بين هذه المشاريع - سواء كان يديرها أفراد أو شركات-  قد ساهم خلال العامين الماضيين بظهور نموذج من المواقع العربية بعيدةً كل البعد عن إثراء المحتوى الإلكتروني، وذلك من خلال إنتاج وتحرير ونشر مقالات، صور، مقاطع فيديو؛ يركّز مضمونها على الترفيه ونجوم الفن والإشاعات المتعلقة بالمشاهير، إلى أن وصل فيهم الحديث عن نوعية ملابسهم وثرائهم وغيرها من المعلومات التي يتهافت عليها المراهقون، مما زاد من مشكلة المحتوى الإلكتروني تعقيدا؛ في الوقت الذي تسعى فيه شركات وحكومات وأفراد لإثراء المحتوى وتطويره ضمن مبادرات ومشاريع ريادية في عالمنا العربي.
إن ضخّ مثل هذه المواد بهدف تجاري أدى إلى خلق حاجة مستمرة لها عند المراهقين والشباب، وساهم بزيادة الإقبال عليها، مما أفقد الإنترنت قيمته كمرجع ثقافي ومنبع لتطوير الفرد والمجتمع، بل مما زاد المشكلة تعقيداً أيضا هو مشاركة هذه الفئة بإنتاج محتوى يتصف بالركاكة وللأسف، تتلقاه محركات البحث بصدر رحب ليظهر بأعلى صفحات نتائج البحث، ضمن "ألغورتمياتها" الخاصة.
وبالنظر إلى هذا النمو الطردي بنشر المحتوى الترفيهي؛ بمزيجه المضطرب فكريا تكاد أن تتلاشى أحلام المهتمين بتطوير محتوى إلكتروني عربي ثقافي علمي يغطي احتياج أبنائنا اليوم والأجيال القادمة غداً، بحيث أصبح هذا النوع من المحتوى مهمَّشًا يتجاهل تطويره الكثير من المستثمرين والأفراد، وحتى أن الكثير من الكتّاب والإعلاميين من قطاع النشر الإلكتروني أصبحوا يفضلون نشر المواد التي يسعى وراءها الأغلبية، لتحقيق عائد مالي للشركات التي يعملون بها.
فأصبح المحتوى العربي ينمو ضمن إطار تجاري بحت، سيُثقل كاهل هذه الصناعة بسبب عدم توازن المحتوى الذي ينشر يوميا، مما يؤكد أن طريق العودة سيكون شاقاً لتغير قناعة وآلية تفكير المستخدم العربي التي نشأ عليها، وصور الإنترنت لتكون مصدرا للمحتوى الترفيهي فقط، وإيمانهم المستمر أن المحتوى الثقافي والعلمي المفيد لا يلقى رواجا.
ومن جهة المعلن – مصدر الدخل الرئيسي لمشاريع المحتوى - فإنه يبحث عن المواقع ذات الزيارات الأكثر، لا على الأفضل والأجود في نوعية المحتوى، متناسيًا طبيعة الزائر المستهدف عليها، فبمجرد التواصل مع الكثير من الشركات التي كان لها تجارب بالإعلان عبر الإنترنت ضمن ميزانياتها المحدودة، ستلحظ تأكيد غالبيتهم لعدم جدوى التسويق الإلكتروني نظرا لأن الشريحة المستهدفة غير متوفرة على الإنترنت، وإيمانهم بأن شبكات التواصل هي البوابة الوحيدة للإعلان الإلكتروني الصحيح، مما يحجب أكثر من ٤٥ بليون دولار من الإعلانات سنوياً عنها، والتي يتم صرفها بالمقابل على الإعلانات المطبوعة والمتلفزة وغيرها.. بعيداً عن المواقع العربية التي هي في أمسّ الحاجة لدخل مالي لتستمر بالتطور والنشر وإثراء هذا العالم المتعطّش لتلك الكتب المكدسة على رفوف المكتبات ببساطة.
أرى رعباً يسيطر على الكتّاب وأصحاب إدارات المواقع من الدخول لميدان المحتوى الأنيق والإيجابي والمهذب فكريا، وإقبالهم على ما يطلبه المشاهدون فقط باستخدام أدوات جوجل، بدلاً من إثراء محتوى متوازن ترفيهي وثقافي يساهم في تحفيز الشباب على الاطلاع والمشاركة في هذا النوع من المادة الغنية المفعمة بالثقافة لعقول الأجيال المقبلة.
الكاتب ضمن أي مؤسسة هو ليس فقط آلة تنفذ المهام، بل هو يصنف كإعلامي صحاب رسالة سامية تهدف لتألق العقول، والمساهمة في نشر الوعي وخدمة الباحثين عن المعلومة، علينا أن نساهم في بناء هذه الصناعة بشكل يصقل معالمها، ويحفّز دخول الاستثمارات، وتدفق الأموال لتنميتها وتطويرها، وبعيداً عن المثاليات لابد من أن لا نتحول إلى ناشرين تقليدين يسعون وراء سراب الربح السريع بدون وجود أهداف تخدم اللغة والوطن والإنسانية.
ولنتذكر... إن كل كلمة وصورة ومقطع فيديو يتم نشره وعرضه لملايين المتصفحين هو بمثابة "نبتة مغروسة" ستبقى عبر السنين ينهل منها الأجيال، فإن طاب هذا الغرس طابت العقول، لابد أن نراعي نحن -مطوّري المحتوى العربي والناشرين-  الأمانة التي تقع علينا؛ بنوعية مشاركتنا في هذه الصناعة.
المصدر: موقع مجلاتي
تعليقات الفايسبوك
0 تعليقات مدونة الإعصار التقني

إرسال تعليق

:) =( :s :D :-D ^:D ^o^ 7:( :Q :p T_T @@, :-a :W *fck* x@ |o|

 
Top

Receive All Free Updates Via Facebook.